البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

تطبيقات ومسائل تشير إلى دقة المذهب الحنفي في أحكام التجارة

26 views

المثال الأول: بيع المكره:

قد اختلف الفقهاء في حكم بيع المكره على قولين:

القول الأول:

بيع المكره باطل. وهو قول الأئمة الثلاثة: مالك([1])، والشافعي([2])، وأحمد([3]) رحمهم الله.

وقد استدل أصحاب القول الأول بعدة أدلة من أهمها:

قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡ} [النساء: 29]. والإكراه ينافي التراضي المأمور به.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه))([4]).

القول الثاني:

بيع المكره فاسد، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله([5]).

وقد استدل بأدلة من المعقول:

وهو أن فوات التراضي يؤدي إلى فساد العقد لا إلى بطلانه؛ لأن كلًّا من الإيجاب والقبول قد صدر من البالغ العاقل، وصادف محله وهو الملك.

قال السرخسي: “الإكراه لا يمنع انعقاد أصل البيع؛ فقد وُجد ما به ينعقد البيع من الإيجاب، والقبول من أهله في محل قابل له، ولكن امتنع نفوذه؛ لانعدام تمام الرضا بسبب الإكراه”([6]).

وقال المرغيناني: “ولنا أن ركن البيع صدر من أهله مضافًا إلى محله، والفساد لفقد شرطه وهو التراضي، فصار كسائر الشروط المفسدة، فيثبت الملك عند القبض”([7]).

وقال البزدوي: “بيع المكره فاسد؛ لوجود الاختيار وضعًا، يعني: جريان هذا الكلام على لسانه في أصل وضعه اختياري وليس بطبعي كجريان الماء وطول القامة؛ فينعقد البيع لوجود أصل الاختيار، ويفسد لفوات الرضا، أو معناه أن الاختيار موجود تقديرًا بإقامة البلوغ عن عقل مقام القصد، ولكن الرضا فات لعدم القصد حقيقة، فينعقد ولا ينفذ”([8]).

وهذه التفرقة بين الفاسد والباطل ناتجة عن دقة المذهب الحنفي في أحكام التجارة، وينتج عنها فائدة وهي:

أن العقد الفاسد -المشروع بأصله دون وصفه- يمكن تصحيحه بزوال سبب الفساد؛ ففي ذلك المثال يصحُّ العقد بزوال سبب الإكراه، أي: بأن يرضى المكره عن العقد حرًّا مختارًا، وبالتالي فلا نحتاج إلى إعادة العقد، فالمذهب الحنفي يميلُ إلى تصحيح معاملات الناس ما أمكن، وذلك متوافق مع قواعد المذهب في هذا الصدد، والتي قد تقدم الكلام عنها، ومن ضمنها قاعدة: “الأصل اعتبار تصرف العاقل ما أمكن“، وقاعدة: “الأصل في العقود الشرعية الصحة واللزوم“.

2- المثال الثاني: شراء الثمرة قبل بُدُو صلاحها دون اشتراط قطعها:

وذلك مع كون المشتري غير مالك للأصل.

وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: عدم صحة العقد بهذه الصورة، وهو قول الجمهور من المالكية([9])، والشافعية([10])، والحنابلة([11]).

وقد استدلوا بعدة أدلة، من أهمها:

ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع))([12]).

القول الثاني:

صحة العقد بشرط القطع في الحال، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله.

قال السرخسي: “فإن صار منتفعًا به ولكن لم يَبْدُ صلاحه بعدُ؛ بأن كان لا يأمن العاهة والفساد عليه فاشتراه بشرط القطع يجوز، وإن اشتراه بشرط الترك لا يجوز، وإن اشتراه مطلقًا يجوز عندنا؛ لأنَّ مطلق العقد يقتضي تسليم المعقود عليه في الحال فهو وشرط القطع سواء”([13]).

وقال الكمال بن الهمام: “وإن كان بحيث ينتفع به ولو علفًا للدواب فالبيع جائز باتفاق أهل المذهب إذا باع بشرط القطع أو مطلقًا، ويجب قطعه على المشتري في الحال”([14]).

واستدلوا:

بقوله صلى الله عليه وسلم: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟!))([15]).

ووجه الاستدلال: أن الممنوع هو أن يشتري الثمرة قبل بُدُو الصلاح بشرط الترك إلى بدو صلاحها؛ حيث لا يؤمن عليها العاهة والفساد والهلاك، ولا يدخل في ذلك البيع على القطع في الحال، ولا البيع مطلقًا؛ لأنه ينصرف في المذهب الحنفي إلى القطع حالًا.

وتلك الدقة في المذهب الحنفي في تلك المعاملة مبنية على قواعد المذهب التي تمت مناقشتها في المطلب الأول، والتي من ضمنها قاعدة: “مطلق العقد يقتضي تسليم المعقود عليه في الحال“. وهذا يؤدي إلى رفع الحرج عن الناس بتصحيح معاملتهم في البيع والشراء ما أمكن وبصورة لا تخالف الشرع، وهذا متوافق أيضًا مع قاعدتهم التي تنص على: “أمور المسلمين محمولة على الصحة ما أمكن“.

 

 

([1]) قال ابن أبي زيد القيرواني في النوادر والزيادات (10/ 281) تحقيق محمد الأمين بوخبزة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1999م: “وقد أجمعنا على إبطال بيع المكره”.

([2]) ينظر: بحر المذهب للروياني (4/ 348) تحقيق طارق فتحي السيد، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى، 2009م. المجموع للنووي (9/ 159) دار الفكر.

([3]) ينظر: الروض المربع (ص: 305) دار المؤيد- مؤسسة الرسالة. شرح منتهى الإرادات (2/ 7) عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1414هـ/ 1993م.

([4]) أخرجه ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي (2043) من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.

([5]) ينظر: المبسوط (24/ 55، 93، 97)، تبيين الحقائق (2/ 171)، حاشية ابن عابدين (4/ 507).

([6]) المبسوط (24/ 93).

([7]) الهداية (3/ 272).

([8]) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (4/ 382).

([9]) قال الدسوقي: “الثمار -أي الفواكه والحبوب والبقول- لا يصحُّ بيعُها إلا إذا بدا صلاحُها، أو بيعت مع أصلها، أو ألحقت بأصلها المبيع أولا، أو بيعت على الجذِّ بقرب إن نفع واحتيج له ولم يكثر ذلك بين الناس، وإن تخلف شرط من هذه الثلاثة منع بيعه على الجذِّ، كما يمنع بيعه على التبقية أو الإطلاق”. الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (3/ 176) دار الفكر.

([10]) قال الماوردي: “فإن كانت غير بادية الصلاح فلا يخلو حال بيعها من ثلاثة أقسام:

أحدها: أن تباع بشرط التبقية.

والثاني: أن تباع بشرط القطع.

الثالث: أن تباع بيعًا مطلقًا… وأما القسم الثالث: وهو أن تباع بيعًا مطلقًا لا يُشترط فيه التبقية والترك، ولا يُشترط فيه القطع، فمذهب الشافعي رحمه الله: أن البيع باطل” الحاوي الكبير (5/ 190، 191) تحقيق علي معوض وعادل عبد الموجود، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ/ 1999م.

([11]) قال البهوتي: “(وإن باعه) أي: الثمر قبل بدو صلاحه، أو الزرع قبل اشتداد حبه أو القثاء ونحوه (مطلقًا) أي: من غير ذكر قطع ولا تبقية: لم يصح البيع” الروض المربع (ص: 351).

([12]) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب: بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها (2194)، مسلم، كتاب البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع (1534).

([13]) ينظر: المبسوط (12/ 195).

([14]) فتح القدير (6/ 287).

([15]) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب: إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، ثم أصابته عاهة فهو من البائع (2198) من حديث أنس رضي الله عنه.

اترك تعليقاً