البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

رعاية الحرية الشخصية بوصفها من المصالح الشرعية

25 views

إن البحث عن المصلحة من أهم مقاصد وغايات الشريعة الإسلامية، فتلك التشريعات مبنيةٌ على تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة.

ولا شكَّ أنه توجد علاقة صميمة بين المصالح والحريات؛ باعتبار الحرية أحد تلك المصالح المتحققة، كما أنها تؤثر أيضًا في اكتساب المصالح.

وذلك الارتباط بين الحرية والمصلحة كان واضحًا في المذهب الحنفي منذ بدايته، ومن أمثلة ذلك:

مسألة الحَجْر على السفيه الذي لا يحسن التصرف في المال، فينفقه بتبذير وإسراف دون فائدة، فقد انطلقت جميع المذاهب الفقهية عند نقاشهم لتلك المسألة من أرضية المصلحة، ولكنهم اختلفوا على أي جانب من المصلحة يجب التركيز هنا: هل على نتائج تصرف السفيه بماله، أم على حريته في التصرف المالي؟

فقد رجح الإمام أبو حنيفة رحمه الله جانب الحرية في المسألة باعتبار أن هذا السفيه “حر مخاطب” له أهلية التصرف فيما هو من خالص حقه([1])، ومن هذا المنطلق منع الحجر عليه، مخالفًا رأي جمهور الفقهاء الذين رجحوا جانب الحجر عليه؛ صيانةً لماله عن الضياع، ورأوا أن ذلك أقربُ إلى المصلحة([2]).

فالإمام أبو حنيفة رحمه الله رأى ترجيح مصلحة الحرية؛ لأن في الحجر عليه إهدارًا لآدميته، وسلبًا لأهليته وولايته، وهذا يعدُّ أشدَّ ضررًا عليه من تضييعه لماله، فقرَّر ترجيح جانب الضرر الأدنى.

ونفس ذلك المنطق الحنفي في فهم المصلحة تجده واضحًا في مسألة حق البكر البالغة العاقلة في اختيار زوجها، وكذا تزويج نفسها دون إذن وليها، فقد رجَّح المذهب الحنفي جانب مصلحة الحرية، واستدلوا بأنها “حرَّة مخاطَبة”([3]). فإذا كانت الولاية مبنية على العقل والحرية فالنساء فيهما مثل الرجال؛ فالمرأة الحرة العاقلة قادرة على التصرف بما يخدم مصلحة نفسها، حتى إنه قد صح منها التصرف في المال على طريق الاستبداد([4]).

ويتكرر الأمر في مسألة المديون الموسر الذي يماطل في الأداء، فإذا طلب الغرماء مالهم فهل يحقُّ للقاضي أن يحجر عليه أو يبيع عليه ممتلكاته جبرًا في حق قضاء الديون؟

رفض الإمام أبو حنيفة رحمه الله أن يحجر على المدين، أو أن يتصرف القاضي في أمواله، وقال: “(لا أحجر في الدين، وإذا وجبت ديون على رجل وطلب غرماؤه حبسه والحجر عليه لم أحجر عليه)؛ لأن في الحجر إهدار أهليته، فلا يجوز لدفع ضرر خاص (فإن كان له مال لم يتصرف فيه الحاكم) لأنه نوع حجر”([5])؛ لأن في الحجر عليه ضررًا فوق ضرر المال، فلا يتحمل الأعلى لدفع الأدنى([6]).

وأيضًا في مسائل مثل تناول غير المسلم الخمر والخنزير وتجارته بهما في دار الإسلام، تم ترجيح جانب مصلحة الحرية باعتبار أننا أُمرنا أن “نتركهم وما يدينون”([7]).

فقد تبيَّن من تلك الأمثلة أنَّ الفقه الحنفي قد اعتبر الحرية الشخصية نوعًا من أنواع المصلحة ينبغي أن يتم مراعاتها في صياغة الأحكام الفقهية، وأن التعدي على حرية المرء ضرر عظيم؛ لأن فيه إهدارًا لآدميته؛ حيث لم يخلق الإنسان إلا وهو حر مالك لحقوقه، فالحرية عندهم مرتبطة بحقوق الإنسان الأساسية ضمن منظومة متماسكة تؤثر بشكل واضح في فهمهم للمسائل وصياغتهم للأحكام.

([1]) ينظر: مبسوط السرخسي (24/ 159)، تبيين الحقائق للزيلعي (5/ 193).

([2]) ينظر: المغني لابن قدامة (4/ 352) مكتبة القاهرة.

([3]) ينظر: مبسوط السرخسي (5/ 3)، البناية شرح الهداية للعيني (5/ 70).

([4]) ينظر: بدائع الصنائع (2/ 242)، فتح القدير لابن الهمام (3/ 261).

([5]) الهداية للمرغيناني (3/ 282)، فتح القدير لابن الهمام (9/ 272).

([6]) ينظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (9/ 271).

([7]) ينظر: مبسوط السرخسي (11/ 102)، بدائع الصنائع (2/ 275)، تبيين الحقائق (2/ 159).

اترك تعليقاً